المغني البريطاني يرد بالفن الرفيع على الانتقادات أمام 50 ألف شخص


50ألف شخص حضروا لحفل المغني البريطاني إلتون جون،  الأربعاء، الماضي في إطار مهرجان موازين، واستمتعوا بساعتين وربع من الموسيقى الراقية في أجواء عرفت تشديدات أمنية لكن دون أحداث تذكر. طوال الفترة الزمنية للحفل، تناسى الكل النقاش حول شذوذ إلتون جون وآرائه، وتم التركيز الكلي على صوته وعلى أصابعه وهي تنقر على البيانو وعلى صدى أغانيه التي تشكل جزءا من التاريخ الموسيقى العالمي.
على متن القطار الرابط بين الدار البيضاء والرباط، مجموعة من الشباب الذين قرروا التحول إلى العاصمة لمشاهدة الحفل المنتظر للمغني العالمي إلتون جون، من خلال نقاشهم الحاد وجهوا انتقادات شديدة للجهات «الإسلامية» التي حاولت منع مغنيهم المفضل من إحياء حفل انتظروه بشغف. مباشرة بعد نزول الشباب في محطة الرباط أكدال، نطقت امرأة بكلمات كتمتها طوال الطريق محتجة على استدعاء مغن «مريض» لإحياء حفل في بلد مسلم، لينخرط بعدها مجموعة من الحاضرين في حملة احتجاج ضد المهرجانات في أجواء الامتحانات.
أمام محطة الرباط المدينة تسمع أصوات المعطلين الذين يقومون بوقفة احتجاجية ضمن المسلسل الطويل، كانت كل الأجواء تشير إلى أن العاصمة منخرطة في وتيرتها اليومية، لا مؤشرات كانت تدل على أن الرباط تشهد تلك الليلة الفصل الأخير من مسلسل الجدل بين المعارضين والمساندين لحضور إلتون جون للمغرب، حيث ابتعد النقاش كليا عن مسيرته الفنية التي امتدت لعقود لينحصر في توجهه الجنسي.
في محيط منصة السويسي، كانت الترتيبات الأمنية جد مشددة، سيارات شرطة وقوات تدخل سريع وقوات مساعدة وكلاب مدربة، بالإضافة إلى مئات من رجال الشرطة بالزي المدني. عملية الدخول تخضع لمراقبة متعددة باستعمال أحدث التقنيات، وفي الوقت الذي كان المكلفون بالدخول يراقبون التذاكر والبطائق بطرق إلكترونية، كانت عيون رجال الشرطة بالزي المدني تتجول وسط الجمهور لتتفحص أي شيء مريب.
قبل الحفل بساعات، كان المكان المخصص للصحافيين وأصحاب التذاكر يعرف حضور جمهور كثيف، في حين كان المكان المخصص للعموم لايزال فارغا، لكن أحد المنظمين أكد أن الأمر أصبح معتادا، فبمجرد سماع أولى النغمات «متنعرفوش الناس منين تيخرجو».
مع اقتراب الحفل، كثر الحديث حوله من طرف الجمهور القادم من مدينة الرباط وباقي المدن المغربية وكذلك من أوربا، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الجاليات الأجنبية في المغرب، البعض يؤكد أنه لا يفهم كيف يمكن منع مغن فقط لأنه شاذ جنسيا، فهل يمكن قبول منع مغن بسبب لونه أو دينه؟ البعض الآخر تناهى إلى سمعه لأول مرة النقاش الدائر حول هذا الموضوع، فعندما حاول صحفي قناة أجنبية استفسار شابة مغربية حول النقاش الدائر إجابته بأنه لا علم لها بأن هناك أشخاصا يرفضون حضور إلتون جون بسبب شذوذه، مضيفة: «إلتون جون سيغني بفمه وليس… أنا لا أفهم هذا الموقف».
مع اقتراب ساعة الحفل، بدأ حضور مجموعة من الشخصيات، مثل الأمير مولاي إسماعيل بالإضافة إلى منير الماجدي وشكيب بنموسى وأنس الصفريوي بالإضافة إلى عدد كبير من الصحافيين ونجوم الفن والغناء، كما حضر العديد من الفنانين الأجانب المشاركين في المهرجان، والذين حرصوا على تخليد الحفل بكاميراتهم، فمشاهدة إلتون جون قد تتاح مرة واحدة في الحياة.
وكان إلتون جون قد فضل الحضور على متن طائرته الخاصة قبل ساعات قليلة إلى المغرب، كما أنه غادر بعد ساعات من نهاية وصلته الغنائية، والتي دامت حوالي ساعتين وربع أمام جمهور تراوح عدده بين 40 ألفا و50 ألف متفرج، وهو ما دعا سيدة من الحضور إلى أن تعلق وهي تشير إلى صفوف الجمهور: «هذا هو أبلغ رد على الأشخاص الذين لا يفهمون معنى الفن الحقيقي».
صعد إلتون جون إلى المنصة في تمام الساعة التاسعة والنصف، وبعد قطعة موسيقية صامتة وجه تحية إلى المغرب والقصر الملكي وإدارة المهرجان التي أتاحت له فرصة الغناء في المغرب، وهو الأمر الذي قابله الجمهور بتصفيق طويل مع ترديد أجمل أغاني الفنان العالمي، والذي فاجأ الحاضرين بلياقته البدنية العالية، حيث استمر في الغناء بدون أخذ أي قسط من الراحة، بل أكثر من ذلك كان يزيد من حماس الجمهور بصعوده فوق البيانو، في حركة اعتبرها بعض الحاضرين تحديا منه للذين حاولوا منعه من ملاقاة جمهوره في المغرب.
أقوى لحظات حفل إلتون جون تمثلت في أدائه أغانيه الكلاسيكية الكبيرة مثل: «ساكريفايس» و»بيلي دانسر» بالإضافة إلى أغنيته الشهيرة: «شمعة في مهب الريح»، والتي قدمها في الوقت التي كانت الشاشة الخلفية تقدم صورة النجمة الراحلة مارلين مونرو التي كان قد أهداها هذه الأغنية، قبل أن تقدم نفس الشاشة لقطات عن الرحلة الفنية الطويلة لإلتون جون، وكأنه يقول: هل يمكن أن تمنعوا مغنيا بكل هذا التاريخ من ملاقاة جمهوره فقط لأنه أعلن اختلافه؟
بعد مرور ساعتين، انسحب إلتون جون مودعا جماهيره التي رفضت أن تغادر الساحة، واستمرت في الهتاف باسمه، فعاد مرة ثانية ليضيف ربع ساعة قدم خلالها ثلاث أغان، وهو يردد كلمات الشكر للجمهور الغفير، والذي ازدادت أعداده طوال فترات الحفل مع قدوم مشاهدين من المنصات الأخرى.
في طريق العودة، كانت الخلاصة التي وصل إليها الكثيرون هي أنه طوال الحفل تناسى الكل الحديث عن الميول الجنسية لإلتون جون، وركزوا على أغانيه التي تشهد على تاريخه الطويل وعلى إنجازاته فوق الخشبة. كان المغني البريطاني «وحشا» أيقظ أحاسيس كبار السن، في حين عرف جمهور الشباب بجزء من التاريخ الموسيقي، وحتى الأشخاص الذين حضروا الحفل بدافع الفضول لمشاهدة المغني الذي أثار كل هذه الضجة، فإن بعضهم انسحب من وسط الحفلة ليس لأنه لمس شذوذ إلتون جون، ولكن بكل بساطة لأن أغاني المغني البريطاني لم تعجبه.

البي بي كينغ يوزع الخواتم والسلاسل والموسيقى الساحرة على جمهور موازين

في حفله، الخميس الماضي في منصة السويسي بمناسبة الدورة التاسعة من مهرجان موازين، وزع ملك البلوز المغني الأمريكي البي بي كينغ الخواتم والسلاسل الذهبية والحب والمتعة الموسيقية ونقرات الغيتار المتألقة على الجمهور، الذي حضر لمعاينة آخر أساطير البلوز، والذي قام بإهداء أولى أغانيه إلى الملك محمد السادس والجمهور الحاضر، موجها إليهم الدعوة للتمتع بالحياة ورعاية أحبائهم والمقربين منهم، وهي القيم التي ظل البي بي يدافع عنها طوال حياته.
البي بي كينغ، الذي أصبح يتحرك بصعوبة وهو يحمل على كاهله سنواته الـ84، كان بين الأغنية والأخرى يقوم بتحية الجمهور الحاضر من عشاق البلوز والموسيقى الرفيعة، ولأول مرة منذ بداية الدورة التي تختتم اليوم من مهرجان موازين، كان المكان المخصص للضيوف والصحافيين وأصحاب التذاكر أكثر اكتظاظا من المكان المخصص للعموم، مما جعل أحد الصحافيين يقول إن فن البلوز يؤكد مرة أخرى أنه فن عاشقي الموسيقى الحقيقية، التي لا تكتفي بمخاطبة الأذن بل تتسرب بين مسام الجلد لتدفئ القلب، في حين شكر البعض الآخر الله الذي مد في عمرهم إلى أن شاهدوا ملك البلوز مباشرة، والذي حول الرباط من عاصمة المغرب الإدارية إلى عاصمة البلوز العالمي لساعات، فاسمها تردد خلال الشهر الماضي في كل المواقع والمنتديات المخصصة للبلوز، كما أن خبرها وصل إلى النوادي في نيو أوليانز وشيكاغو ولوس أنجلس وفي كل الأمكنة التي يوجد بها عشاق الكينغ، والذين يتابعون أخباره أينما حل وارتحل.
كرر البي بي كينغ بين أغانيه، أنه كان يتمنى لو حضر إلى المغرب من زمن، وهي أمنية عادية أن تصدر عن إفريقي أمريكي، فالمغرب جزء من قارة أجداده، والمغرب جزء من الأرض التي ولدت فيها موسيقى ما قبل البلوز، والتي حملها أجداد البي بي كينغ من إفريقيا إلى حقول القطن في الجنوب الأمريكي، لتتدفق في شكل آهات حملت اسم البلوز موسيقى العبيد.
ردد البي بي كينغ، عدة مرات، أنه رجل كبير طاعن في السن، لكن ذلك لم يمنعه من الرقص وهو جالس فوق الكرسي، كما رقص وهو منسحب من على الخشبة، وكعادته دائما فإن البي بي كينغ، رجل النكتة، مارس هوياته في التفكه عندما طلب من أحد موسيقييه أداء رقصات «البوغي بوغي»، وعندما دخل في حوار موسيقي مع عازف الطبل، حيث كان البي بي ينقر على الغيتار وكان على عازف الطبل إعادة نفس النغمة، وهو ما نجح فيه في البداية قبل أن تقهره إبداعات ملك البلوز اللامتناهية، هذه اللوحة ذكرت عشاق الملك بحفلاته الشهيرة الكبرى عندما تنافس في العزف مع بادي كاي، وعندما تمتع بمجاراة البلوزمان الآخر مودي ووترز.
البي بي كينغ، وبسبب مشاكله الصحية، غنى لمدة ساعة وخمس دقائق، قبل أن ينسحب وهو يجر رجليه بصعوبة، لكن الجمهور الحاضر رفض مغادرة الساحة واستمر في ترديد اسم المغني الأسطوري، الذي عاد من جديد لتأدية أغنية أخرى، قبل أن ينسحب مرة أخرى، وبعد أن نثر بعض السلاسل والخواتم على الجمهور، وهي العادة التي دأب عليها منذ عقود.
غنى البي بي كينغ جزءا من أغانيه الشهيرة وعلى رأسها every day i have the blues قبل أن يختمها برائعته thrill is gone وبينهما صال وجال رفقة فرقته بين الأغاني الصامتة وبين عزفه المنفرد على غيثارته «لوسيل»، بالإضافة إلى الإبداع الذي قدمه كل أفراد الفرقة، سواء على الساكسفون أو الباص أو الطبل أو البيانو، في الوقت الذي كانت فيه خلفية الخشبة تعرض صورا للمغني العالمي وبعض اللقطات من المتحف الذي يحمل اسمه، والذي افتتح منذ سنوات لحفظ ذاكرته التي تحولت إلى جزء أساسي من ذاكرة الموسيقى العالمية.
البي بي كينغ، الذي ختم حفله بالجملة الفرنسية «ميرسي بوكو» بعد أن اعتذر على عدم قدرته على التحدث إلا باللغة الإنجليزية، قام كعادته بالدعاء للجمهور، حيث تمنى أن يباركه الله، موجها له الشكر الكبير، كما وجه كينغ تحية للمغني سانتانا عبر دعوة فرقته لتحية الجمهور، وهو الشيء الذي قام به أعضاؤها باحتشام، فكيف يمكن اقتسام نفس الخشبة مع ملك البلوز بدون تهييء نفسي مسبق، كما حيى البي بي كينغ المغني الأمريكي الراحل ستيفي راي فوغن، الذي توفي في حادث والذي كان البي بي كينغ يعتبره وريثه الشرعي في حمل مشعل البلوز.
جمهور البي بي كينغ، والذي كان من بينه عمدة مدينة الرباط فتح الله ولعلو، خرج من الحفل وغصة في قلبه، فساعة وربع التي غناها البي بي كينغ لم تشف غليله، لكنه وجد بعض العزاء في القول بأن البي بي كينغ، وبالرغم من متاعبه الصحية، حرص على تمتيع جمهور موازين، في حين قال رجل كهل: «أتمنى أن نشاهد السنة القادمة إريك كلابتن، الذي يعتبره البي بي كينغ أفضل عازف غيتار في تاريخ الموسيقى العالمية».